مؤيد الدين الجندي

288

شرح فصوص الحكم

فلمّا أقرّت العقول بالعجز عن إدراك الحقائق على سبيل الإحاطة والحصر - إلَّا طائفة جاهلة بحقيقة الأمر ، عادلة عن طريقة السرّ ، فإنّهم قالوا : إنّ العقول كافية في إدراك عقولنا - فلا معقول عليه ، مع اعتراف أفاضلهم وأكابرهم بأنّ الفكر قوّة جزويّة ، أنّ ما يصل إليه الإنسان بفكره ليسير بالنسبة إلى ما لم يصل إليه ، وأنّ العقول المتعيّنة في القوى المزاجية ، المقيّدة الجزوية مقيّدة جزوية كذلك بحسبها ، وأنّى للأفكار المقيّدة الجزوية أن تدرك الحقائق المجرّدة المطلقة من حيث هي كذلك ، إلَّا أن تنطلق عن قيودها أو تتقيّد المطلقات المجرّدة بحسب شهودها ووجودها ، فافهم . قال - رضي الله عنه : « ولا سيّما وقد علم أنّ ألسنة الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق بما نطقت به إنّما جاءت به في العموم على المفهوم الأوّل ، وعلى الخصوص على كلّ مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأيّ لسان كان في وضع « 1 » ذلك اللسان ، فإنّ للحق في كلّ خلق « 2 » ظهورا ، فهو الظاهر في كل مفهوم ، وهو الباطن عن كل فهم إلَّا عن فهم من قال : إنّ العالم صورته وهويّته ، وهو الاسم الظاهر » . قال العبد - أيّده الله به - : اعلم : أنّ المعرفة الحاصلة للعقلاء توجب - باتّفاقهم وتقتضي باجتماعهم وإطباقهم - تنزيه الحقّ عن صفات المحدثات والجسمانيات ، وسلب النقائص عن جنابه ، ونفي النعوت الكونية الحدوثية عنه ، فالعقول مطبقة على ذلك . ولو كان المراد الإلهي من معرفته هذا القدر ، لكان بالعقول استغناء واكتفاء عن إنزال الشرائع والكتب ، وإظهار المعجزات والآيات لأهل الحجب ، ولكنّ الحقّ - سبحانه وتعالى - غنيّ عن تنزيه العقول بمقتضى أفكارها المقيّدة بالقوى المزاجية ، ويتعالى عن إدراكها ما لم تتّصل بالعقول الكلَّية ، فاحتاجت من حيث هي كذلك في معرفتها الحقيقة إلى اعتناء ربّاني « 3 » وإلقاء رحمانيّ يهيّئ « 4 »

--> « 1 » في بعض النسخ : موضع ذلك . « 2 » في بعض النسخ : في كل خلق ظهورا خاصّا . « 3 » ف : ديّاني . « 4 » ف . م : يهيّئها .